ابن قيم الجوزية

87

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

بغاية الذل والخضوع ، والإجلال والتعظيم ، فأنكروا كونه محبوبا . وذلك إنكار لإلهيته ، وشيخ هؤلاء : هو الجعد بن درهم الذي ضحّى به خالد بن القسري في يوم أضحى ، وقال : إنه زعم أن اللّه لم يكلم موسى تكليما ، ولم يتخذ إبراهيم خليلا ، وإنما كان إنكاره : لكونه تعالى محبوبا محبا ، لم ينكر حاجة إبراهيم إليه ، التي هي الخلة عند الجهمية التي يشترك فيها جميع الخلائق ، فكلهم أخلّاء للّه عندهم . وقد بينا فساد قولهم هذا وإنكارهم محبة اللّه من أكثر من ثمانين وجها في كتابنا المسمى ( قرة عيون المحبين ، وروضة قلوب العارفين ) وذكرنا فيه وجوب تعلق المحبة بالحبيب الأول من جميع طرق الأدلة النقلية والعقلية والذوقية والفطرية ، وأنه لا كمال للإنسان بدون ذلك البتة ، كما أنه لا كمال لجسمه إلا بالروح والحياة ، ولا لعينه إلا بالنور الباصر ، ولا لأذنه إلا بالسمع ، وأن الأمر فوق ذلك وأعظم . فصل الصنف الثاني : القدرية النفاة ، الذين يثبتون نوعا من الحكمة . والتعليل لا يقوم بالرب ، ولا يرجع إليه ، بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته ، فعندهم : أن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب والنعيم ، وأنها بمنزلة استيفاء أجرة الأجير . قالوا : ولهذا يجعلها اللّه تعالى عوضا كقوله 7 : 43 وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقوله ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقوله هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيما يحكي عن ربه عز وجل « يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها » وقوله تعالى : 39 : 10 إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ قالوا : وقد سماه اللّه سبحانه جزاء وأجرا وثوابا . لأنه يثوب إلى العامل من عمله ، أي يرجع إليه منه . قالوا : ولولا ارتباطه بالعمل لم يكن لتسميته جزاء ، ولا أجرا ولا ثوابا معنى .